الغزالي

58

إحياء علوم الدين

مغشيا عليه . ثم أتيت به إلى السابع ، فاستأذنا ، فإذا امرأة من داخل الخص تقول : ادخلوا فدخلنا ، فإذا شيخ فان جالس في مصلاه ، فسلمنا عليه ، فلم يشعر بسلامنا . فقلت بصوت عال . ألا إن للخلق غدا مقاما . فقال الشيخ . بين يدي من ؟ ويحك ! ثم بقي مبهوتا فاتحا فاه : شاخصا بصره ، يصيح بصوت له ضعيف ، أوه أوه ، حتى انقطع ذلك الصوت فقالت امرأته . اخرجوا فإنكم لا تنتفعون به الساعة فلما كان بعد ذلك سألت عن القوم ، فإذا ثلاثة قد أفاقوا ، وثلاثة قد لحقوا باللَّه تعالى ، وأما الشيخ فإنه مكث ثلاثة أيام على حالته مبهوتا متحيرا ، لا يؤدى فرضا ، فلما كان بعد ثلاث عقل وكان يزيد بن الأسود يرى أنه من الأبدال ، وكان قد حلف أنه لا يضحك أبدا ، ولا ينام مضطجعا ، ولا يأكل سمنا أبدا . فما رؤي ضاحكا ، ولا مضطجعا ، ولا أكل سمنا حتى مات رحمه الله . وقال الحجاج لسعيد بن جبير . بلغني أنك لم تضحك قط . فقال كيف أضحك وجهنم قد سعرت ، والأغلال قد نصبت ، والزبانية قد أعدت ! وقال رجل للحسن : يا أبا سعيد ، كيف أصبحت ؟ قال بخير . قال كيف حالك ؟ فتبسم الحسن وقال : تسألني عن حالي ! ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم ، فتعلق كل إنسان منهم بخشبة ، على أي حال يكون ؟ قال الرجل على حال شديدة . قال الحسن حالي أشد من حالهم ودخلت مولاة لعمر بن عبد العزيز عليه ، فسلمت عليه ، ثم قامت إلى مسجد في بيته : فصلت فيه ركعتين ، وغلبتها عيناها فرقدت ، فاستبكت في منامها ثم انتبهت ، فقالت يا أمير المؤمنين ، إني والله رأيت عجبا . قال وما ذلك ؟ قالت رأيت النار وهي تزفر على أهلها ، ثم جيء بالصراط فوضع على متنها . فقال هيه . قالت فجيء بعبد الملك بن مروان . فحمل عليه فما مضى عليه إلا يسير حتى انكفأ به الصراط ، فهوى إلى جهنم . فقال عمر هيه قالت ثم جيء بالوليد بن عبد الملك ، فحمل عليه . فما مضى إلا يسير حتى انكفأ به الصراط ، فهوى إلى جهنم فقال عمر هيه . قالت ثم جيء بسليمان بن عبد الملك ، فما مضى عليه إلا يسير حتى انكفأ به الصراط ، فهوى كذلك . فقال عمر هيه . قالت ثم جيء بك والله يا أمير المؤمنين ، فصاح عمر رحمة الله عليه صيحة خر مغشيا عليه . فقامت إليه ، فجعلت تنادي في أذنه يا أمير المؤمنين إني رأيتك والله قد نجوت ، إني رأيتك والله قد نجوت قال وهي تنادي وهو يصيح ويفحص برجليه ويحكى أن أويسا القرني رحمه الله كان يحضر عند القاصّ فيبكي من كلامه ، فإذا ذكر النار صرخ أويس ، ثم يقوم منطلقا ، فيتبعه الناس فيقولون مجنون مجنون . وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه . إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنّم وراءه وكان طاوس يفرش له الفراش ، فيضطجع ويتقلى